مجموعة مؤلفين

296

الكتاب التذكاري ( محيي الدين بن عربي في الذكرى المئوية الثامنة )

وألفت الكتب والرسائل في الهجوم عليه أو الدفاع عنه ، فكان هذا من أسباب ذيوع صيته في العالم الإسلامي ذيوعا غير عادى في حياته وبعد مماته . وقد استطاعت شخصيته الفذة أن تجذب إليه عددا من التلاميذ المعجبين به والذين أخذوا عنه ، فتألفت منهم طريقة صوفية هي التي عرفت فيما بعد باسم « الطريقة الأكبريّة » ، والظاهر أن ابن عربى قد أراد - خصوصا بعد ارتحاله إلى المشرق - أن يكوّن لنفسه طريقة منظمة لها قواعدها في السلوك ليضمن نشر مذهبه بشكل منظم ، مقتديا في ذلك بمن تقدمه من شيوخ التصوف من أصحاب الطرق في المشرق ، كالشيخ عبد القادر الجيلاني مؤسس الطريقة القادريّة ، والمتوفى سنة 561 ه ، والشيخ أحمد الرفاعي مؤسس الطريقة الرفاعيّة ، والمتوفى سنة 570 ه ، إذ لم يكن نظام الطرق الصوفية أو التصوف الجماعي معروفا تماما في الأندلس في عصر ابن عربى وما قبله . وقد بسط لنا ابن عربى قواعد طريقته الصوفية في رسائل خاصة ألّفها لهذا الغرض ، كما عرض لها في مؤلفات أخرى له كالفتوحات المكيّة . أما المادة التي يمكن أن يجدها الباحث عن أسانيد هذه الطريقة ، والذين انتموا إليها ، وعلاقتها بغيرها من الطرق الصوفية الأخرى ، ومدى انتشارها في العالم الإسلامي بعد وفاة صاحبها ، فقليلة للغاية ، ومتعارضة ، ومبعثرة في بطون كتب ورسائل أكثرها لصوفية متأخرين ، وبعضها مخطوط . وفي هذا البحث محاولة لإلقاء بعض الأضواء على الطريقة الأكبرية من حيث نشأتها وتسميتها بهذا الاسم ، وشيوخ مؤسسها ، وسندها ، وآدابها في السلوك العملي التي تتمثل في إعطاء العهود ولبس الخرقة ، وعلاقة المريد بالشيخ ، والعزلة والخلوة والجوع والسهر والصمت والذكر ، وأثر ذلك كله في نفسيّة المريد السالك ، ومكانة شيخها ، وأتباعه منذ وفاته إلى منتصف القرن الرابع عشر الهجري ، كما سنوضح لماذا لم تنتشر الطريقة الأكبرية انتشارا واسعا ، ولماذا كانت حظ أفراد معدودين .